العلاقات المتزايدة بين الهند وإسرائيل

 

إعداد : الأخ محمد أجمل القاسمي

  

 

  

 

       ما مضى على استقلال بلادنا الهند عام كامل حتى برزت على خريطة العالم دولة جديدة دُعِيت بـ"إسرائيل"؛ ولكن قمة القادة الهنود ظلّوا يصفونها منذ البداية بإنّها دولة غير شرعيّة، وظلّوا واقفين بجانب العرب والفلسطينيين؛ ولكنْ على الرغم من الموقف الثابت الذي وقَفَتْه البلاد ضد الكيان الصهيوني المرفوض لم تستطع الصمودَ أمام الضغط الأمريكي البريطاني، واضْطُرت إلى أن تمنح إسرائيل سماحًا بإنشاء القنصليّة بمدينة "مومباي" وذلك عام 1953م. والقنصليّة كانت محدودةَ النشاط الذي كان يعني توفيرَ التسهيلات والحاجيات المختلفة لصالح اليهود الذين يسكنون هنا وهناك، ولم تكن لها أن تؤدّي دورًا ما يرمي إلى تحقيق أهداف سياسيّة أو كسب أغراض أخرى. ولكن عقب اتفاقية "كامب ديفد" التي أُبْرِمت عام 1979م واغترارًا بمؤامرة أمريكا لمّا اعترف بعض الدُوَل العربيّة بإسرائيل كدولة مستقلة، بدأت المناقشاتُ في الهند أيضًا بشأن الاعتراف وعدمه بإسرائيل بصفة دولة مستقلة، وأسفر النقاشُ أخيرًا عن نجاح المؤامرة الأمريكيّة اليهوديّة الّذي تمثّل في قيام العلاقات الدبلوماسيّة مع حكومة إسرائيل الغاصبة الغاشمة، وبالتالي في تأسيس السفارة الإسرائيلية بدهلي العاصمة في شهر يناير عام 1992م. وهنا سَنَحت لإسرائيل فُرَص ومجالات واسعة ومتنوّعة للتحرك والعمل، ومنذ ذلك الحين واستغلالاً للفرصة أخذ اللّوبي الصهيوني تمد شبكته لاصطياد مختلف القادة والساسة الهنود، وسرعانَ ما نجح في إنشاء وتوطيد العلاقات الإسرائيلية الهنديّة في مجالات التجارة والصناعة وغيرها، التي شهدتِ الازدهارَ والتقدُّمَ على مضي الزمان. وبَلغتِ العلاقاتُ أوجَ ازدهارها في 21/من شهر يناير 2008م الذي تم فيه إطلاق القمر الصناعي الإسرائيلي للاستطلاع المسمّى بـ"فولارس" من المركز الفضائي المسمّى "ستيش دهون" بالهند للقيام بمهمة التجسس لصالح إسرائيل، وقد وضع حكّام (ISRO) المهمة في طي الخفاء، واصفين إيّاها بأنها مهمة سريّه، ومازالت سرًا مكنونًا حتى نجحت المهمة. وكان من المخطَّط أن تُنفَّذ العملية في شهر أغسطس 2007م ولكنّ بعض العوائق الفنيّة أجَّلتْها إلى شهر يناير عام 2008م. ولعلّ مناسبةَ الذكرى الخامسة عشرة للعلاقات الإسرائيليّة الهنديّة كانت تراها إسرائيل أفضل مناسبة لتنفيذ المهمة. ومن ثم طبّل الإعلامُ الإسرائيل للفرح والسرور بمناسبة تلك الذكرى لدى نجاح مهمة استطلاع إسرائيلية بشكل قلّما يكون قد سبق له مثيل.

       الإعلام الإسرائيلي يحاول أن يرى الهند بمنظاره، فقد قالت الصحفُ الإسرائيليةُ في الأيام القريبة الماضيّة: إن كلاً من إسرائيل والهند استقلّت خلال فترة عام، وكلتيهما تعتمدان على الديمقراطيّة، وتثقانِ بها، وتجمعان مختلف الديانات والأمم. هذا، والواقع أنّ تاريخ البلدين إسرائيل والهند يختلف أحدُهما عن الآخر كل الاختلاف؛ فالهند نالتِ الاستقلالَ من سلطة الإنجليز بفضل التضحيات والجهود المتّصلة المبـــذولة من قِبَل أبنائها، وإسرائيل على العكس من هذا إنّما تأسست بنفي الفلسطينيين من أرضهم واغتصاب بلادهم بظلم وعدوان وعلى أساس جهد متصل كثيف ودور فاعل ماكر لعبَتْه كل من أمريكا وبريطانيا. وكذلك الديمقراطية القائمة في البلدين بينهما بون مابين السماء والأرض؛ فإن النصارى والمسلمين الفلسطينيين يُعْتَبَرون مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة في إسرائيل، على حين أن الهند جميع الشعوب القاطنة بها سواسيّة يشترك الكل في الحقوق الوطنيّة والسياسيّة. وأكبر فرق بين البلدين أن الهند دولة علمانية، وإسرائيل دولة طائفيّة تديرها الفرقة اليهوديّة كما تشاء وتُريد؛ فالذين يحاولون قياس إسرائيل بالهند العلمانية فإنهم يمارسونَ الحمقَ والجنونَ ليس إلاّ. إنّما السبب الوحيد وراء تنمية العلاقات بين الهند وإسرائيل في مجالات التجارة والثقافة والدفاع أن عملاء "موساد" الإسرائيلية و"سي آئي" للاستخبارات السرّية الأمريكيّة المشبوهة، إلى جانب موسّسة (MIS) البريطانية يخوِّفون الساسةَ والأجهزةَ الحكومية الهندية من "غول الإرهاب الإسلامي" المزعوم، وبجانب ذلك يموِّلون الساسةَ والأجهزةَ الحكومية ويملؤون جيوبهم بالمبالغ الكبيرة البالغة مئات الملايين من الروبيات التي تأتي ناتجة عن الرشاوي غير العادية التي تمنحها إسرائيلُ الهند في الصفقات الدفاعيّة. الأمر الذي يؤدّي إلى الإكثار من عقد الصفقات الدفاعيّة مع إسرائيل بشكل يومي. (صحيفة "راشتريه سهارا" الأردية الصادرة بدهلي الجديدة، العدد: 3123، السنة:9).

       إنّ القمر الصناعي الإسرائيلي "فولارس" الذي أطلقه حكام (ISRO) إلى الفضاء لصالح إسرائيل يبدو أنّه لايقوم إلا بمهمة الاستطلاع والتجسس في الدول الإسلاميّة، ويؤدّي دورًا خاصًا في ذبح المسلمين الأبرياء وقتلهم . ولاشك أنّ ساسةَ الهند وقادتها هم الآخرون ستبتل أذيالُ قمصانهم بتلك الدماء المراقة دونما ذنب التي ستسفر عنها القذائف الإسرائيلية الموجَّهَة للأهداف التي يكشفها "فولارس". ومّما يوسَف له جدًا أنّ الهند – التي كانت رائد حركة الحياد فيما مضى – تتبادر للانحياز إلى أمريكا وحليفاتها، وانحرافًا عن العادات والموقف القديمة التي وقفتْها الهند تجاه إسرائيل الغاصبة الغاشمة، عاد ساسةُ الهند وحُكّامها يكثِّفون محاولاتهم لإقامة علاقات مزيدة اقتصاديّة وتجاريّة مع إسرائيل، بل إنهم منحوا إسرائيل مستوى أفضل دولة فيما يتعلق بإمدادات الأسلحة. وتمت إلى حد الآن فيما بين إسرائيل والهند عقد الصفقات الدفاعيّة التي تساوي 7 بلايين دولار. ويُفْتَرض أن العلاقات الدفاعيّة ستزداد عمقًا؛ فالهند عازمة لسد حاجياتها الدفاعيّة على الوصول بتجارة السلع والأجهزة الدفاعيّة مع إسرائيل إلى 30 بليون دولار. (المصد السابق)

       ولا ندري أيّ شيء جعل قادتنا قد عزموا على أنهم يقفون بجانب كل قوة معادية للإسلام والمسلمين، ولانعلم أنّ ساستنا لماذا شمروا عن ساق الجد عن من يعتبر جرحَ المسلمينَ وإيذائهم جزءًا من أدبة وثقافته وكتاباته، ولانعلم أنّ أي شيء دفع زعماءَنا إلى التوقيع على الاتفاقية النوويّة مع أمريكا حتى رضوا بتضحية كرسي الحكم. ولله درالجناح اليساري الذي لازال حائلاً دون التوقيع على المعاهدة، وصان الله الشعبَ من أن تصيرَ ذيلاً ذليلاً لأمريكا.

       ومنذ أيّام طويلة يشعر المسلمون بشدة أنّ الحكومة تستهين بمشاعر المسلمين، وتلعب بعواطفهم؛ فإنّ مساهمةَ الوفد الهندي في مؤتمر "إينابولس" للأمن المزعوم، والاعتصامَ بالصمت المطبق تجاه القصف الإسرائيلي العشوائي الإجرامي الماضي في فترات متّصلة الذي يُسفر كل يوم عن سقوط عشرات ومئات من القتلى والجرحى من الفلسطينيين، وتنفيذًا لإشارة أمريكا الماكرة عدمَ الإبداء بأيّ رغبة في التفاهم الذي تمّ عقده مع إيران بشأن إقامة خطوط الإنابيب للغاز، وتنميَةَ سياسة التعاون والتحالف مع إسرائيل كل ذلك يُثير الغضبةَ الغاضبة لدى أغلبية المسلمين. والحكومة إذا كانت تتجاهلها ولاتشعر بشدّتها فإنها سوف تُساءل – تأبي أم ترضى – عن سياستها التي مارستها فيما يتعلق بالشؤون الداخليّة، كما أنها ستكون مطالبة بإيضاح موقفها بشأن الشؤون الخارجيّة .

       وكان من الممكن أن يطلق القمر الصناعي الإسرائيلي "فولارس" للاستطلاع من دولِ أمريكا وبريطانيا وفرنسا؛ ولكن إسرائيل لم تفعل ذلك. وانتخبت الهند للقيام بهذه العملية لتُوجّه إلى جميع المسلمين رسالة تقول إنّ أقدامها رسخت في الهند وارتكزت، وأنّ سخطَ المسلمين أو الآخرين من العلمانيين لن يؤثـّر على إسرائيل في قليل أو كثير. وعلى كل فالأوضاع مؤسفة للغاية، والعلاقات الإسرائيليّة الهندية المتزايدة تزيد المسلمين ألمـًا وقلقًا وأسفًا. إن العلاقات كان يتم تدعيمها سرّيًا في البداية؛ ولكنها عادت اليوم يتم تعزيزها بشكل مكشوف وعَلَني، والمسلم يرى بأم عينيه تلك المناظر المؤسفة ولايقدر على شيء. إنّه لايستطيع أن يصارح الحكومة: أنّه إلى متى ستظل تقوم بالعدوان والخيانة البشعة؟ وإلى متى ستظلّ تمارس هذه السياسة المواليةَ لأعداء البلاد والأمّة؟ إنه لايستطيع أن يضع حدًا للعلاقات التي لاتجلب إلا الويلات والعذاب والدمار. اللّهم اجْعَل كيدَهم في نحورهم، وأعذنا من شرورهم إنك على كل شيء قدير.

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . رجب 1429هـ = يوليو  2008م ، العـدد : 7  ، السنـة : 32